مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

إدمان  الوهم

 

يوم ما فقد الملك احمس أباه الملك سقنن رع في معركة ضارية، غلبه اعداؤه، وكان يجب عليه أن يعود مرة آخري لينتصر، ولكنه أدرك أنه لو عاد وقتها فإن الهزيمة هي مصيره، قرر ألا يندفع ليتدرب ويكون جيشه ويعود أقوي مما كان وينتصر من جديد ويحرر مصر.

إن تطور الذات لا يمكن تحت الأضواء المبهرة والنمو النفسي القوي لا يكون بين البشر أو علي ساحات مواقع التواصل الاجتماعي، بل يكون بوضع الأهداف والعمل الدؤوب بعيد عن أعين الناس لضمان أعلي درجات التركيز والاخلاص.

يا صديقي إن الملك أحمس فهم أن البذور يجب أن تدفن تحت سطح الأرض لفترات ليست قصيرة، كي تزهر وتتحول إلي نباتات قوية العود فينتج عنها الثمار، فلو وضعت البذور فوق سطح الأرض لأصبحت في مهب الريح وأصبح فنائها أمر حتمي، ولكن مكانها تحت سطح الارض يضمن لها البقاء كما قال تعالى في كتابه (( وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ ))

إن ظهور الإنسان تحت أضواء الإعلام ومواقع التواصل الإجتماعي لا ينتج عنه شئ أكثر من كبر حجم ظل الإنسان بفعل الضوء المسلط عليه وما إن تنطفئ الأضواء يعود إلي حجمه الطبيعي و يدرك قدره ومقداره.

إن مواقع التواصل الإجتماعي لا تبرز الأفضل بل الأكثر ظهوراً ، ومع سهولة النشر صار الضوء يسلط علي من يطلبه لا من يستحقه، وصار هذا الضوء مجرد إبهار ولكنه ليس مقياس حقيقي للتقييم، فانتشرت العديد من النماذج عالية الصوت قليلة القيمة وعديمة النفع، بل في بعض الأحيان هي ايضا عظيمة الضرر، ويوماً ما تغلق هذه المواقع وينتهي كل هذا المحتوي.

حتي بعد انتهاء العلاقات يلجأ البعض إلي استعادة الثقة بالنفس من خلال الحصول علي أكبر قدر ممكن من الاعجابات والمشاعر علي صورهم الشخصية وحالاتهم المنشورة، بدلاً من الهدوء والابتعاد واعادة تقييم الأمور علي نحو يضمن نجاح العلاقات القادمة، يدمن البعض هذا النوع السطحي من الإعجاب على الصور والحالات فتتولد به ثقة زائفة و انجذابات سطحية لا يمكن أن تكون نواة لعلاقة إنسانية ناجحة عميقة.

إن النجاح في الحياة يجب أن يرتكز علي دعائم حقيقية لا تصورات افتراضية، عمل دؤوب وتركيز حقيقي علي تطوير الذات والعلاقات، تقييمات موضوعية وإدارة صحيحة للنفس، وكثرة التعرض للضوء والابهار لا تحقق للإنسان النمو المطلوب وكذلك فالاعجابات والانبهارات علي مواقع التواصل الاجتماعي ما هي إلا خداع رقمي يخدع به الإنسان نفسه ليعطيها احساس كاذب بالأفضلية والاستحقاق.

يا عزيزي الحياة الحقيقة أعمق بكثير من أضواء زائفة وتفضيلات خادعة. احذر أن تبني ثقتك في نفسك بناء علي اعجاب الآخر بك فهو أمر مزاجي غير موضوعي. إن الحياة هي معركتك ركز فيها علي إرضاء الله و تحديد أهدافك و الاجتهاد الجيد لتحيا حياة حقيقية سعيدة.

بقلم - الدكتور محمد العوامى:
أستاذ مساعد بالطب النفسى فى كلية الطب البشرى بجامعة العاصمة "حلوان سابقاً"